"الأسرة مهمة في فلسطين، فإذا أردنا الحديث عن مكافحة الجريمة المنظمة، يمثل هذا الأمر تحديا"

يتمتع الدكتور ميكيليه تارلاو الذي يعمل لدى شرطة الدولة الإيطالية بأكثر من 35 عاما من الخبرة في التحقيق في الجريمة المنظمة وإعداد استراتيجيات لمكافحتها في موطنه وكذلك في التعيينات التي شغلها في الخارج في يوغوسلافيا السابقة وأمريكا الجنوبية على حد سواء. وبالرغم من أن إيطاليا أبعد من أن تكون الدولة الوحيدة التي تعاني من مجموعات الجريمة المنظمة، ضَمِن الوصول العالمي للإيطاليين المهاجرين وسحر أفلام هوليوود أن أمست الكلمة الإيطالية "مافيا" مفهومة في كل بلد حول العالم. يجلب الدكتور تارلاو خبرة مكافحة الجريمة المنظمة والمخدرات في موطنه معه إلى منصبه في بعثة الإتحاد الأوروبي لمساندة الشرطة الفلسطينية وسيادة القانون حيث يسدي المشورة حاليا إلى الشرطة المدنية الفلسطينية ووزارة الداخلية.

يقول ميكيليه عند الحديث عن عمله، "ثمة حاجة دائما إلى النظر إلى الصورة الكبيرة. فلنفترض أن لدينا مستنبت ماريجوانا. ليس كافيا أن نعثر على الأشخاص الذين يزرعون المخدرات. ثمة حاجة لفهم الأشخاص الذين يستخدمون المخدرات كذلك. وعندئذ، كيف تأتي المخدرات من المستنبت إلى المستخدمين. من يقدم التكنولوجيا لعملية مخدرات ما؟ المعدات؟ السلائف؟ في أغلب الأحيان، يرتبط الأشخاص الذين يقفون وراء عمليات المخدرات الكبيرة بالاتجار بالبشر وتهريب الأسلحة والبيع غير القانوني للتبغ والكحول، وبالطبع غسيل الأموال لإضفاء الشرعية على أرباحهم".

يكيل المستشار الإيطالي المديح لنظرائه الفلسطينيين، "إنهم زملاء ماهرون وقيّمون للغاية. تعد إدارة مكافحة المخدرات من أفضل الإدارات تنظيماً في الشرطة المدنية الفلسطينية وقد بدأ تعاوننا على الفور". لكنه يعتقد أنه يجب عمل المزيد لتنسيق عمل المؤسسات المختلفة، حتى تعمل معًا بشكل أفضل.

يقول تارلاو: "علينا أن نأخذ في الاعتبار أنه من أجل حل هذه المشكلة، يجب إشراك العديد من الخبراء المختلفين - التعليم، الصحة، المتخصصون في الاتصالات من أجل حملات التوعية وغيرها. من أكبر النتائج التي حققناها حتى الآن تشجيع إدارة مكافحة المخدرات ووزارة الداخلية ووزارة الصحة على العمل معًا بشكل وثيق".

وفقا للخبير الإيطالي، لا ينبغي تشجيع تعاون المؤسسات الوطنية فحسب، فالتعاون الدولي مهم أيضًا.  وقد وضع تارلاو نظرائه الفلسطينيين على اتصال مع الوكالات الأوروبية مثل مركز الرصد الأوروبي المعني بالمخدرات والادمان (EMCDDA) في لشبونة. يعمل مركز الرصد حاليًا على عملية مسح كبيرة لفهم تأثير وباء كوفيد-19 (Covid-19) على توريد المخدرات واستخدامها والأضرار التي تلحق بصحة الإنسان والمجتمع وتوفير الخدمات العامة والصحية لمتعاطي المخدرات. هناك أيضًا محادثات جارية مع مكتب ممثل الاتحاد الأوروبي حول كيفية تحسين التعاون مع وكالات إنفاذ القانون الأوروبية مثل مكتب الشرطة الأوروبي (EUROPOL) وكلية الشرطة الأوروبية (CEPOL).

يلاحظ الدكتور تارلاو أن الانكماش الاقتصادي يؤدي في كثير من الأحيان إلى زيادة الجريمة المنظمة حيث يفقد الناس وظائفهم ومصادر دخلهم المشروعة ويتحولون إلى الجريمة من أجل كسب المال. يقول الدكتور تارلاو: "عليك أن تفهم أن الجريمة المنظمة تعمل مثل شركة كبيرة. لا يمكنك الحديث عن جرائم منفردة، عليك أن تفهمها على أنها شبكة من الجرائم المختلفة. بغية محاربتها، تحتاج إلى أكبر قدر ممكن من البيانات لفهم وتقييم ما يحدث. من الممكن أنه بسبب العواقب الاقتصادية لوباء كوفيد-19، ستحاول العصابات الإجرامية أن تتسلل إلى أجزاء أخرى من الاقتصاد".

قامت سلطات انفاذ القانون الفلسطينية بفضل الدعم الدولي بتحسين بيانات الاتجار بالمخدرات وتحليلها وتبني صورة أكثر تعقيدًا لكيفية عمل المجرمين المنظمين. في الآونة الأخيرة، نظمت بعثة الاتحاد الأوروبي (EUPOL COPPS) تدريبًا لنظرائها الفلسطينيين من أجل فهم أفضل لكيفية استخدام المجرمين للإنترنت المظلم (دارك ويب) والعملات المشفرة لتداول المخدرات والأسلحة والاتجار وتبييض الأموال.

عندما طُلب من الخبير الإيطالي تسمية التحديات في الضفة الغربية فيما يتعلق بمكافحة الجريمة المنظمة، سلط الضوء على البنية التشريعية الحالية باعتبارها عقبة. ويشير على سبيل المثال إلى أن القانون الجنائي المستخدم في الضفة الغربية هو القانون الأردني. علاوة على ذلك، فإن التعريفات القانونية للجريمة المنظمة والانتماء إلى جماعة إجرامية ضعيفة. يقول تارلاو بجدية: "إذا لم تستطع تحديد ماهية المنظمة الإجرامية، فمن الصعب مقاضاة منظمة".

التحدي الآخر هو البنية التقليدية للأسر. يقول الضابط الإيطالي: "يحدث أن جرائم القتل المتعلقة بالجريمة المنظمة يجري تفسيرها ببساطة على أنها "نزاعات عائلية"، وهذا يضع العراقيل في طريق فهم الصورة الكامنة للجريمة المنظمة في الضفة الغربية. علاوة على ذلك، فإن أي مجرم يتقدم بمعلومات عن عصابة إجرامية قد يعرض أفراد عائلته للخطر. قد يكون برنامج حماية الشهود مفيدًا، ولكن لا يوجد برنامج حتى الآن ".

ويختتم الدكتور تارلاو حديثه بنبرة إيجابية، "من عام 2013 إلى عام 2017، وقّعت فلسطين على أهم المعاهدات والاتفاقيات الدولية لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، ليس فقط تلك الخاصة بالأمم المتحدة، ولكن أيضا تلك الخاصة بجامعة الدول العربية. لذا، فإن الصكوك القانونية الدولية جاهزة. وستتمثل المرحلة التالية في تنفيذ هذه الاتفاقيات تنفيذاً كاملاً وأيضاً تعاوناً أكبر بين مختلف المؤسسات، ولا سيما الشرطة والنيابة العامة. تسير الأمور في الاتجاه الصحيح".