"حماية الشهود تزيد من قدرة المجتمع على تحقيق العدالة"

تحدّث بلطف وكان يزن كلماته ويختارها بعناية. يعمل ياري بيكا-بايالا وكيل النيابة الفنلندي السابق الذي لديه خبرة مهنية تزيد عن 35 عامًا، مع زملائه في مكتب بعثة الشرطة الأوروبية لمساندة الشرطة الفلسطينية وسيادة القانون لدعم إنشاء نظام فلسطيني لحماية الشهود في قضايا الفساد والمبلغين عنها أيضا.

في حديثه عبر رابط الفيديو يقول بيكا-بايالا إن: "عملية التحقيق والملاحقة القضائية في الجرائم، سواء كانت جرائم خطيرة أم لا، تعتمد إلى درجة كبيرة على المعلومات التي يقدمها الشهود وشهادتهم. فالشهود هم أحد الأركان الأساسية لنظم العدالة الجنائية الوطنية الناجحة". ويضيف أنه بناءً على تجربته الخاصة في التحقيق في الجرائم وملاحقتها قضائيًا، "يعتمد وكلاء النيابة على الشهود الموثوقين الذين يمكن قبول شهادتهم على أنها صادقة ودقيقة وكاملة".

بدأت حماية الشهود، على النحو الذي تتم ممارستها في الوقت الحاضر، كحاجة ملحة في الولايات المتحدة في السبعينيات من القرن الماضي كوسيلة لمكافحة الجريمة المنظمة. وقد أدركت السلطات المعنية أن الأشخاص الذين يرغبون في الإدلاء بشهاداتهم ضد العصابات الإجرامية هم عرضة للخطر بشكل خاص ويحتاجون إلى الحماية. واتبعت الدول الأوروبية الممارسة ذاتها، وفي العام 1997 نشر مجلس أوروبا توصيته بشأن ترهيب الشهود وحقوق الدفاع.

يحرص بيكا-بيالا على التأكيد على أنه،أثناء حماية الشهود، يحتاج نظام العدالة الجنائية أيضًا إلى حماية الحق في المحاكمة العادلة الذي هو حق أساسي من حقوق الإنسان، ويُردف قائلًا: "من الشائع أن يكون الشهود هم أنفسهم مجرمون ويرغبون في الإدلاء بشهادتهم ضد زملائهم أو رؤسائهم السابقين. يحتاج البرنامج إلى وضع هيكلية بطريقة تحظر المساس بالحق في المحاكمة العادلة".

ويضيف أن في وطنه الأم دولة فنلندا جهاز الشرطة هو الجهة المسؤولة عن تنفيذ برنامج حماية الشهود، وتقوم الشرطة بصياغة تقرير سنوي يُرسل في النهاية إلى البرلمان. يوضح هذا التقرير الخطوات المتخذة خلال العام السابق، دون الإفصاح عن أي معلومات سرية قد تهدّد سلامة الشهود. وحتى الآن تمكنت الشرطة الفنلندية من الحفاظ على التوازن بين الشفافية وحقوق الإنسان وسلامة الشهود في فنلندا، ولحسن الحظ لم يُقتل أي شخص شارك في برنامج حماية الشهود أثناء وجوده تحت حماية الدولة.

ويشدّد وكيل النيابة الفنلندي أيضًا على أنه "يجب فحص أولئك الذين يعملون في النظام بشكل صحيح للتأكد من قدرتهم على حماية المعلومات. يجب بناء أي قاعدة بيانات بعناية فائقة، ويجب أن يكون الشهود قادرين على الوثوق بأن معلوماتهم الشخصية لن يتم تسريبها. تتطلب حماية الشهود الثقة الكاملة من الجمهور، وعلى وجه الخصوص أولئك الذين يريدون تقديم أدلة أثناء المحاكمة. أي فشل في حماية السريّة سوف يقضي على مصداقية البرنامج. يجب الاحتفاظ بجميع المعلومات ذات الصلة وتصنيفها على أنها سرية للغاية".

وبغية حماية النظام يحتاج المشاركون في البرنامج إلى إدراك طبيعة العمل الذي ينخرطون فيه، كما ينبغي أن يكون كافة العاملين في هذا البرنامج جديرين بالثقة. يقول بيكا-بايالا: "يجب تقييم المرشحين للحماية بعناية فائقة. لكل من برنامج حماية الشهود والشخص الذي يطلب الحماية حقوقًا ومسؤوليات يجب أن يتم تحديدها بوضوح تام في وثيقة قانونية موقعة من الطرفين".

يتضمن برنامج حماية الشهود الفعّال أيضًا دراسة متأنية للتهديدات والمخاطر التي من المحتمل أن يتعرض لها البرنامج، وكذلك يتطلب تنسيقًا كبيرًا بين الجهات المختلفة ضمن سلسلة العدالة الجنائية. يقول بيكا-بايالا معطيًا مثالاً عمليًا للتنسيق الذي يجب إتمامه: "يحتاج الشهود في برنامج حماية الشهود إلى المرافقة أثناء ذهابهم إلى المحكمة ما لم يقدّموا شهادتهم عبر وسائل الاتصال عن بُعد. تكون الشرطة عادة مسؤولة عن ذلك، ويجب تدريب طاقم الشرطة على كيفية التعامل مع هذه الأنواع من الشهود. والتعاون الاستباقي مع المحاكم وخدمات السجون من شأنه ضمان سلامة الشهود وهذا أمر لا غنى عنه".

علاوة على ذلك، يتطلب إنشاء نظام يتسم بالثقة موارد بشرية ومالية كبيرة. يتساءل بيكا-بايالا: "ماذا لو احتاج الشاهد إلى ترك عمله لدخول البرنامج؟ هل ستكون الدولة مستعدة وقادرة على دعم الشاهد ماليًا"؟

يضيف بيكا-بايالا: "تجدر الإشارة إلى أن تنفيذ برنامج شامل لحماية الشهود يتضمن نقل الشهود وتغيير هويتهم هو الملاذ الأخير دائمًا. وحتى الإجراءات الصغيرة مثل زيادة استخدام شهادات الفيديو في المحكمة أو تحسين الدعم النفسي والمشورة القانونية المقدمة للشهود من شأنها تحسين الوضع بشكل كبير. في الضفة الغربية ينصب التركيز على توفير الحماية الوظيفية والقانونية لأولئك الذين يبلغون عن أعمال أو فساد مزعومة".

قطع نظام العدالة الجنائية الفلسطينية شوطًا كبيرًا إلى الأمام في تشرين الأول 2019 من خلال تمرير نظام داخلي يسمح بإنشاء برنامج حماية الشهود لمكافحة الفساد. يعقد مستشارو مكتب بعثة الشرطة الأوروبية لمساندة الشرطة الفلسطينية وسيادة القانون حاليًا مؤتمرات هاتفية أسبوعية مع الهيئة الفلسطينية لمكافحة الفساد، إضافة إلى أصحاب المصلحة الرئيسيين الآخرين في العملية مثل الشرطة المدنية الفلسطينية، بهدف وضع إجراءات عمل معيارية للبرنامج.

يقول وكيل النيابة الفنلندي: "فور الإنتهاء من تنفيذ الإجراءات، سنستمر في تقديم الدعم الهيئة الفلسطينية لمكافحة الفساد والشركاء الآخرين في الشرطة والمحاكم وإدارة المحاكم وخدمات السجون لتدريبهم والتأكد من فهمهم للإجراءات. سيتم طرح الكثير من الأسئلة منها على سبيل المثال أسئلة حول كيفية حماية النزلاء الذين هم أيضًا شهود. إن التدريب والتعاون بين مختلف الجهات المعنية الوكالات سيكون محوريًا".

في حالة نجاح البرنامج قد يمتد ليشمل الجرائم الخطيرة الأخرى. لكن الأولوية في الوقت الراهن هي التأكد من أن النظام يعمل في قضايا الفساد. يختتم بيكا-بايالا حديثه قائلًا: "بالطبع نحن على استعداد لدعم نظرائنا الفلسطينيين بأي طريقة ممكنة لتحقيق ذلك".