الإصلاح في السجون الفلسطينية: " تظهر القيمة الحقيقية للاستراتيجية الجيدة في الأزمات"

انتُدِبَت كل من لين سواغرز من بلجيكا وآنا دالغرين من السويد من قبل الهيئات الوطنية في كلتا الدولتين كي تعملا كمستشارتين لشؤون السجون في بعثة الاتحاد الأوروبي لدعم الشرطة الفلسطينية وسيادة القانون. تكمن مهمتهما في تقديم المشورة والنصح لإدارة مراكز الإصلاح والتأهيل في الشرطة المدنية الفلسطينية على المستوى الاستراتيجي. أي أنهما تساعدا العاملين في نظام السجون الفلسطيني في وضع الخطط واتخاذ القرارات التي ستعود بالفائدة على النزلاء وضباط السجون والمجتمع على نطاق أوسع. كما وأن المستشارتين تقوما بإعطاء دورات تدريبية حول أفضل الممارسات الدولية. 

وتقول دالغرين: "إن أحد نقاط القوة لدى إدارة مراكز الإصلاح والتأهيل هي أنهم يعملون جاهدين لتبني القواعد الدولية والاتفاقيات؛ كقواعد مانديلا وقواعد طوكيو وقواعد بانكوك، والتي تعتبر المعايير الدنيا التي تتبناها الأمم المتحدة". "لا يمكن لأحد أن يكون مستعد لأزمة بهذا الحجم، لذا فإن أهم شيء هو العقلية التي تتمتع بها عند مواجهتك لذلك. فقد ركزنا في دوراتنا التدريبية على منظور حقوق الإنسان، ووجدنا زملائنا الفلسطينيين على أتم الاستعداد من حيث العقلية؛ فهم يعملون على غرس هذا المنظور في نظامهم الخاص".

وعندما سُئلت المستشارة السويدية عن التحديات التي يواجهها نظام السجون أثناء وقوع جائحة ما، أضافت قائلة: "التحدي الأكبر هو منع وصول المرض المُعدي إلى داخل المركز. فلا يمكنك عزل الأشخاص بشكل فردي في معظم السجون. وبالتالي إن وصل المرض تفشى بسرعة وخصوص في حال كان المركز مكتظاً. عليك وضع خطة لدخول وخروج الأشخاص من المركز واتخاذ الاحتياطات اللازمة. إضافة إلى التحدي الكبير الذي تواجهه السجون حول العالم أثناء الأزمات وهو الحصول على الدعم العام لتوفير الموارد لمراكز الإصلاح. يحتاج نظام السجون إلى الدعم ولكن عادة ما يوضع في أسفل سلم الأولويات".

تتفق لين سواغرز مع زميلتها بمدى أهمية العقلية وتحرص على التأكيد بأن حتى أصغر التغيرات يمكن أن تحدث فرقاً كبيراً. وتعطي مثال عن تخطيط المحكومية الأمر الذي تعمل هي ودالغرين عليه مع نظرائهما الفلسطينيين. 

تخطيط المحكومية هو عبارة عن نظام يصمم من أجل إعطاء النزلاء معنى وهدف لحياتهم ومساعدتهم في إدراك الألم الذي يعانيه ضحاياهم وتحليل الأسباب التي أدخلتهم إلى عالم الجريمة بالأساس، وبالتالي مساعدتهم على الاندماج في المجتمع عند خروجهم من السجن. تقول سواغرز بأن من شأن التغيرات الصغيرة إحداث فرق كبير في تغيير وجهة نظر السجين. "لما لا تعطي الشخص الذي يهوى الطبخ وظيفة في المطبخ؟ أو أن تعطي مهمة إصلاح ملابس السجن لذلك الذي يتقن الخياطة ".

وتكمل سواغرز حديثها بالقول: "يجب أن تكون مسألة إعادة الدمج أولوية قصوى". "عليك إعطاء الناس الأمل في المستقبل وفي ذات الوقت مساعدة السجناء في التفكير في الجرم الذي ارتكبوه وفي ضحاياهم. يمكنك توفير الدعم من خلال المستشارين النفسيين أو غيرهم من المختصين ممن يستطيعون الخروج بخرائط ذهنية لكل نزيل. وهناك أيضاً تدابير أسهل كقائمة تدقيق لكل نزيل عند الإفراج تتعلق بوضعهم المالي والوظائف المحتملة ووضع الأسرة. يمكن لهذه القائمة أن تكون بمثابة الخطوة الأولى نحو إعادة الدمج.

قضت كل من سواغرز ودالغرين كثيراً من الوقت في دعم نظرائهما في مجال الخطط التشغيلية لمركزي إصلاح نابلس وجنين. بني المركزان بتمويل من الاتحاد الأوروبي ولكن وبسب جائحة الكورونا (كوفيد 19) تم تأجل الافتتاح. " الخطة التشغيلية في جوهرها دليل إرشادي لإدارة السجن"، أوضحت سواغرز. "فهمي تشمل كل شيء: كالطاقم المطلوب ومسؤولياته وحركة الأشخاص في المبنى وترتيب الزيارات وكيفية إدارة عملية النقل إلى المحاكم وكيفية عمل المطبخ وغيرها الكثير".

كما وساعدتا المستشارتين إدارة مراكز الإصلاح والتأهيل في إدخال أساليب جديدة لإدارة المخاطر في داخل السجون. ويشمل ذلك حصر جميع المخاطر المحتملة وترتيبها من الأكثر خطورة إلى الأقل خطورة وتطوير استراتيجيات تخفيف المخاطر. فبشكل عام، تم تحديد أكثر من 300 خطر. "لا يتوقع منك تطوير استراتيجيات تخفيف لأكثر من 300 خطر على الفور، لذا فإننا نساند الإدارة في التركيز على 30 منها. نطلع عليها بصورة مفصلة بما في ذلك الطاقم والموارد المتوفرة للتخفيف منها. والآن مع وجود جائحة الكورونا (كوفيد 19) لا بد من تعديل تقييم المخاطر بطبيعة الحال".

من حيث التصدي لجائحة الكورونا، فإن دالغرين لديها الخبرة في محاربة الأمراض المعدية في داخل مراكز السجون إذ عملت في ليبيريا خلال تفشي فايروس الايبولا هناك. فهي تثني على التوصيات التي وضعها مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) ومصلحة السجون السويدية الموجهة نحو المراكز المتضررة من الوباء. وقالت: "أثار انطباعي تولي الأمم المتحدة زمام الأمور. كم أتمنى لو حظينا بشيء كهذا خلال تفشي الايبولا!"

تعترف كلتا المستشارتين بأنه يتم التغاضي عن التخطيط الاستراتيجي خلال الأزمات وتأملان بعودة الأمور إلى طبيعتها سريعاً. لكن تؤكد دالغرين على أن الأزمة هي عندما تظهر أهمية التخطيط، فتقول: "تظهر القيمة الحقيقية للاستراتيجية الجيدة في الأزمات".

الصورة: لين سواغرز (من اليسار) و اَنا دالغرين (من اليمين) مع العقيد مقداد سليمان (في الوسط) في اليوم العالمي لنلسون مانديلا 2019