
في آذار 2019، تم تعزيز صلاحيات هيئة مكافحة الفساد الفلسطينية للتحقيق في الفساد بشكل كبير، مما سمح للهيئة بالتحقق بشكل منهجي من ثروة حوالي 70 ألف موظف عام فلسطيني. إن هؤلاء المسؤولين ملزمون بتعبئة إقرارات موقعة عن ذممهم المالية ومصالحهم التجارية. إن تقديم هذه الإقرارات إلزامي عند شغل أو ترك منصب عام ينطوي على مخاطر فساد، وكل خمس سنوات أثناء شغل منصب من هذا النوع.
تقوم بعثة الاتحاد الأوروبي لدعم الشرطة الفلسطينية وسيادة القانون بدعم الهيئة في إجراء تحسينات على نظام إقرارات الذمة المالية. للمساعدة في هذه العملية، كلّفت البعثة خبير بارز في مكافحة الفساد من ألمانيا، الدكتور تيلمان هوبي، بإعداد تقرير. يعرض هذا التقرير، الذي تم تسليمه إلى هيئة مكافحة الفساد بتاريخ 9 أيلول، عددًا من التوصيات الملموسة، والتي في حال تنفيذها سيكون لها أثر واضح على مكافحة الفساد.
يقول د. تيلمان هوبي: "تعد إقرارات الذمة المالية احدى أكثر أدوات مكافحة الفساد فعالية. يمكننا أن نرى هذا لأن الحكومات غالبًا ما تقاوم استخدامها. كلما كانت الأداة أكثر فاعلية في محاربة الفساد، ازدادت مقاومة بعض النخبويين لها. لا تجد مقاومة كبيرة لمدونة قواعد سلوك أو تدريبات حول الاخلاقيات، ولكن يختلف الوضع بالنسبة لإقرارات الذمة المالية".
يتفق السيد عصام عبد الحليم، مدير عام دائرة إقرار الذمة المالية في هيئة مكافحة الفساد، أن إقرارات الذمة المالية فعّالة في مكافحة الفساد ويؤكد على دورها في زيادة ثقة الجمهور في المؤسسات التي تمثله. ويضيف: "عندما نتحدث عن إقرارات الذمة المالية، نتحدث عن مسألة تتعلق بالشفافية. عندما يصرّح الفرد عن ممتلكاته وثروته، فهذا تجسيد للشفافية. المساءلة الذاتية مهمة أيضًا - من خلال تقديم هذه الإقرارات يقوم المسؤولون العموميون أيضًا بالتحقق من أنفسهم".
ويضيف السيد عصام عبد الحليم: "من حيث الأهمية على النطاق الأوسع، نحن نتحدث عن الأموال العامة والوظائف العامة. تزيد هذه الإقرارات من الثقة في المؤسسات العامة والوظائف العامة، وكل من هو موظف عام".
ومع ذلك، فإن وجود هذه الإقرارات بحد ذاته ليس كافٍ، كما يؤكد الدكتور هوبي، مشيرًا إلى أنه ليكون إطار مكافحة الفساد فعّالًا بحق، يجب أن يكون مصحوبًا بعقوبات. ويقول: "لدينا أمثلة على بلدان لديها أنظمة حديثة ومثالية من حيث جمع المعلومات والتحقق منها، ولكنك بحاجة أيضا إلى عقوبات. على سبيل المثال، في إندونيسيا العقوبات تأديبية فقط، بينما في فرنسا أو اليونان يمكن أن تُسجَن لفترة طويلة إذا كذبت في إقرار الذمة المالية الخاص بك".
يتحدث الدكتور هوبي أيضًا عن أهمية وجود نظام يمكن للمسؤولين من خلاله تقديم الإقرارات الكترونيًا، مما يجعل الأمر أسهل بكثير لجميع الأطراف ويسمح أيضًا بتحليل الإقرارات بواسطة برنامج الكتروني بحثاً عن مخالفات محتملة قبل إجراء المزيد من عمليات التحقق.
ويتفق السيد عصام عبد الحليم مع الدكتور هوبي على هذه النقاط بشكل كامل، ويقول: "لدينا برنامج الكتروني متواضع يقوم بتخزين البيانات، لكن لا يقوم البرنامج الحالي بتحليل البيانات. يتم تعبئة إقرارات الذمة المالية يدويًا، ولذلك فإن معظم عملنا في الهيئة ينفذ يدويًا. سيكون مستوى الفحص أعلى لو كان هناك نظام إلكتروني”.
تتمثل إحدى التوصيات الرئيسية في تقرير الدكتور هوبي في أنه يجب التحقق من البيانات المقدمة في الإقرارات بمقارنتها بالبيانات التي تم جمعها من قبل هيئات حكومية أخرى، مثل السلطات الضريبية، وسجل الأراضي، وسجل المركبات. ويقول الدكتور هوبي: "في نظام على مستوى متقدم من الممارسات الجيدة يمكنك حتى التحقق من الحسابات المصرفية. يجب أن تكون قادرًا على الربط مع أي سلطة حكومية. يمكن إجراء بعض عمليات التحقق بواسطة الحاسوب، ويكون للإنسان دور في التحليل الأعمق".
كما يؤكد الخبير الألماني على أهمية توعية سلسلة العدالة الجنائية بأكملها من المحققين ووكلاء النيابة إلى القضاة حول كيفية تحديد وحساب الثروة التي لا يمكن تفسيرها، بالإضافة إلى ضرورة وجود توجيهات واضحة وتدريب. ويقول الدكتور هوبي مازحاً: "نحن نعلم أن المحامين ليسوا عادة أقوياء فيما يتعلق بالتعامل مع الأرقام، وهناك قضايا فشلت في دول أخرى بسبب هذا. هل يعتبر القرض دخلاً؟ هذه الأسئلة ليست دائما سهلة".
وقد أثنى الدكتور هوبي على زملائه الفلسطينيين وقال: "لقد اندهشت من ديناميكية الموظفين في هيئة مكافحة الفساد ومدى محاولتهم لدفع الأمور إلى الأمام. هذا أمر غير مألوف. في كثير من الأحيان أقابل مؤسسات وأجد لديها ثقافة "الانتظار الاستباقي"، ولكن كان لدي انطباع معاكس مع الهيئة. هذه أرضية جيدة جدًا لتغيير الأمور".
إن السيد عصام عبد الحليم فخور بالدور الذي يقوم به في مكافحة الفساد، ويرى أن مواجهة الفساد جزء أساسي من عملية بناء الدولة. ويقول: "كأفراد، نحن نؤمن بأهداف عملنا - فنحن نرى مكافحة الفساد كجزء من مهمة وطنية يجب تنفيذها. للهيئة دور وطني يتمثل في مكافحة الفساد، وهذا ليس بالأمر السهل، لكنه مطلب لبناء الدولة ومؤسسات الدولة. إن محاربة الفساد هي مسؤولية المجتمع، ونحن نشعر أن اتباع نهج تشاركي، بما في ذلك توعية أفراد الجمهور، هو أفضل طريقة".
خلال مسيرته المهنية، قدم الدكتور هوبي المشورة لسلطات مكافحة الفساد في العديد من البلدان وقام بتحليل أطر مكافحة الفساد في العديد من البلدان الأخرى. وهو يعتقد أن دولة جورجيا تعتبر مثالاً جيداً ينبغي اتباعه بوجود نظام الكتروني يعمل بشكل جيد وآليات تحقق قوية. كما أشار إلى مكونات من النهج المتبع في تونس باعتبارها أمثلة إيجابية ينبغي اتباعها. لا يسعنا إلا أن نأمل أن يتم في المستقبل الإشارة إلى فلسطين من قبل خبراء مكافحة الفساد بصفتها قائدة بارزة على المستوى العالمي والإقليمي في مكافحة الفساد.